السيد الخوئي

مقدمة 16

الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد والاحتياط والقضاء

أستاذه وأهل العراق على مقتضى الآثار . . . وهكذا تطورت مدرسة الرأي وتباعدت عن طريقها الأولى بإزاء نهوض الحديث وجهود المحدثين في هذا العصر « 1 » . ولما حدثت فتنة خلق القرآن وقف المأمون من أصحاب الحديث موقف المعارض فامتحنهم بألوان من التعذيب والبلاء وشدد في مطاردتهم والتنكيل بهم فاثر ذلك كلّه في بعد الشقة بين المدرستين ، مدرسة الرأي ومدرسة الحديث . وقد كان أهل الحديث ناس معتدلون يأخذون بالرأي ان كان هناك في الحديث أو في الشريعة ما يؤيده ويأمر بالاخذ به ويلغون الرأي ان لم يكن في الحديث ما يشير إلى الاخذ به . كما كان في أهل الحديث متطرفون لا يقبلون للحديث بديلا في الحكم والفتوى فيعرضون عن كل شيء غير الكتاب والحديث . حتى وان اطمأن به العقل وصدقه وهؤلاء كانوا يلتقون في الغالب مع الأشاعرة في انكار العقل والاعراض عن اى شئ ما عدا الحديث من عقل ورأى . وبذلك قامت مدرسة الحديث في قبال مدرسة الرأي ، كرد فعل لما حصل لهذه المدرسة من تطرف في الاخذ بالرأي ، والاعراض عن الحديث . ولا نستطيع ان نضع حدودا دقيقة لهذه المدرسة في قبال مدرسة الرأي ونصنّف المدارس الفقهية القائمة في وقته على أساس من هذه الحدود إلى طائفتين ولكن من المؤكد أن مدرستى داود وأبى حنيفة تقعان على طرفي هذا النزاع فقد نزع داود نزوعا بيّنا إلى الحديث ، واخذ نصوصه على ظاهرها ونزع أبو حنيفة نزوعا بيّنا إلى الرأي ، حتى نقل عنه خصومه ومناوئه فيما ينقل عنه : لو كان رسول اللّه حيا لاخذ عنى أشياء كثيرة . وما بين هاتين المدرستين تقع سائر المدارس متوسطة بينهما كمذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل .

--> ( 1 ) نظرة عامة في تاريخ الفقه 221 - 222 .